الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

296

تفسير كتاب الله العزيز

وقال الكلبيّ : هو ملك اسمه الرعد ، والصوت الذي يسمع هو تسبيحه ، يؤلّف به السحاب بعضه إلى بعض ، ثمّ يسوقه حيث أمر . وبعضهم يقول : كما يسوق الحادي الإبل . ذكروا عن عبد اللّه بن عمر قال : ليس شيء أشدّ سياقا من السحاب . ذكروا عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنّه قال : البرق مخاريق الملائكة . ذكروا عن ابن عبّاس أنّه كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق ، فكتب إليه أنّ البرق ماء « 1 » . وقال بعضهم : إنّ البرق لمحة يلمحها الملك إلى الأرض ، وهو الملك الذي يزجر السحاب . وذكر بعضهم قال : من سمع الرعد فقال : سبحان ربّي وبحمده ، لم تصبه صاعقة . قوله : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ : ذكروا عن الحسن أنّ الملك يزجر السحاب بسوط من نار ، وربما انقطع السوط ، وهو الصاعقة « 2 » .

--> ( 1 ) هو أبو الجلد جيلان بن فروة الأسديّ البصري . قال عنه ابن أبي حاتم : صاحب كتب التوراة ونحوها . وثّقه ابن سعد ، وابن حبّان . وقد روى الطبريّ بسند هذا الخبر في تفسيره ، ج 1 ص 340 . وفيه أنّ ابن عبّاس كتب إليه يسأله عن الرعد فأجابه أبو الجلد فقال : الرعد ملك . وبنفس السند روى الطبريّ في ج 16 ص 387 هذا الخبر : « كتب ابن عبّاس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق ، فقال : البرق ، الماء » . ( 2 ) لا أساس لهذه الأقوال كلّها من كتاب أو سنّة صحيحة ، وهي وأمثالها من الإسرائيليّات التي شحنت بها كتب التفسير الأولى ، ونقلها الرواة بدون تمحيص . فنحن نؤمن بأنّ الرعد يسبّح مصداقا لقوله تعالى في هذه الآية ، وفي الأخرى في قوله : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) [ الإسراء : 44 ] ، ولكن لا نصدّق أبدا أنّ الرعد اسم ملك ، أو أنّ البرق مخاريق الملائكة ، أو أنّه لمحة ملك يزجر السحاب . وهذا قبل أن يأتي العلم الحديث فيفنّد كلّ هذه الأقوال الخرافيّة . ومن العجب أن يكتب هذا بعض المفسّرين وينسبون أمثال هذه الأباطيل إلى الصحابة ، ويروون هذه الأساطير وهم يتلون قوله تعالى من سورة النور : 43 : ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) فاللهمّ إنّا نعوذ بك من الجهل ومن العجز والكسل ، ووفّقنا يا ربّ إلى التفكير في آياتك المجلوّة في الأكوان ، وإلى تدبّر آياتك المتلوّة في القرآن ، وألهمنا الرشاد في أمرنا ، والسداد في قولنا ، والصلاح في عملنا ، -